مقاطعة - Boycott4Pal

التطبيع أداةً صهيونية لإعادة كتابة التاريخ.. الأسباب والسياقات والمآلات

حسام أبو حامد


72 عامًا مضت من عمر النكبة، وما زالت محاولة طرد الفلسطينيين من التاريخ بعد طردهم من الجغرافيا مستمرة. تجري تلك العملية على قدم وساق، وتتكاثف معها مجهودات السياسة الخارجية الإسرائيلية لفرض السردية الصهيونية، بدعم أميركي غير مسبوق، وتواطؤ عربي، لتصبح حقيقة تاريخية تطمس الحقوق الفلسطينية المشروعة، وتصفّي قضيتهم التي تبدو اليوم مهمشة بشكل غير مسبوق.


وربما لم يعد الأمر اليوم مجرد تطبيع، وفق الترجمة لمصطلح (normalization) الذي طرحه الجانب الإسرائيلي في بداية مفاوضات السلام مع مصر، بهدف ضمان أن تنتقل الاتفاقيات إلى علاقات طبيعية في مجالات الاقتصاد والثقافة وغيرها، لتجذير “السلام” مع إسرائيل شعبيا، فلا يبقى حبيس الهدنة والتوافق السياسيين، وما يجري اليوم بين بعض الأنظمة العربية وإسرائيل يتجاوز التطبيع إلى التحالف، وحتى تشكيل محور، ومن السخف اعتباره مجرد تطبيع، كما ذهب الدكتور عزمي بشارة في واحدة من تغريداته الأخيرة.


نطلق هنا ملفا حول التطبيع، توجهنا في إطاره إلى عدد من الباحثين والكتّاب العرب لسبر آرائهم حول هذا الموضوع في جوانب مختلفة منه، محاولين التوصّل وإياهم إلى فهم التطبيع في منشأه، وتحولاته في سياقاته الزمنية والسياسية والثقافية، وما يترتب على ذلك من آثار تنعكس على القضية الفلسطينية بوصفها لا قضية تحرير وحسب، بل أيضا قضية تحرر لا يمكن فصلها عن مطلب الحرية الذي انتفضت لأجله الشعوب العربية، منذ بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين وحتى اليوم.


هنا الجزء الأول:

https://youtu.be/dF8saRgh7SM
“لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”
يعتقد القاص والسيناريست خطيب بدلة أن «إسرائيل دولة محظوظة. كل ما جرى على الأرض منذ مئة سنة كان يصب في مصلحتها»، ويعود بنا إلى عام 1948 حين مالت موازين القوى لصالح الميليشيات الصهيونية المسلّحة والمدربة، المدعومة من بريطانيا الإمبراطورية، قبل أن تحلّ محلّها الولايات المتحدة الأميركية كقوة عظمى تدعم المشروع الصهيوني، على حساب جيوش الدول العربية المستقلة حديثا، والتي لم تمتلك من القوة العسكرية ما يكفي لمواجهة ذلك المشروع المُنظّم. ويعتقد أن الرغبة العارمة التي كانت متوفّرة لدى شعوب المنطقة العربية في الدفاع عن أرض فلسطين وشعبها، والتصدي لهذا الغزو الاستيطاني، اصطدمت بـ «أولًا؛ ضعف الأنظمة العربية وارتباكها وخوفها من أن تعصف بها ارتداداتُ الحرب العالمية الثانية. ثانيًا؛ انشغال النخب السياسية والعسكرية المحلية بالصراع على الحكم. ثالثًا؛ تشكّل أحلاف بين الدول الصغيرة يجري رسم سياساتها وتنفيذها بما يرضي الدول العظمى التي عملت على تشكيلها ودعمها. ولهذا كله، خسرت القوات العربية الرسمية حرب الـ 48 التي دخلتها بلا كفاءة، وكذلك خسرت الشعوب المتحمّسة التي ذهب بعض أبنائها لقتال اليهود في فلسطين معركتها، ولكنها عوضت عن خيبتها القتالية باستقبال أفواج اللاجئين الفلسطينيين الذين هجرتهم المنظمات الصهيونية، ومعاملتهم معاملة الأهل».


ويضيف بدلة أنه نتيجة لسيطرة العسكرتاريا العربية وصراعاتها السياسية، وبالأخص في سورية والعراق ومصر “دُعست تطلعات الشعوب إلى إقامة دول ديمقراطية مدنية بأحذية الجنود”، وفي هذا السياق “شكّلت القضية الفلسطينية، دون أدنى شك، عبئًا على الحكومات العربية التي تفتقد إلى الشرعية أصلًا، ولكنها لمحت بصيص ضوء شرعية يأتيها من قضية فلسطين، فتبنّتها، وراح وزراء إعلامها يدبجون خطاباتهم من وحيها، وأطلقوا شعار “لا صوت يعلو على صوت المعركة” الذي ساعدهم على إعلان حالة الطوارئ، وكبت أي صوت يدعو إلى التحرر والاستقلال والبناء، وصار كل واحد من هذه الأنظمة يسابق الآخرين في حبه لفلسطين، ويزاود عليهم».


ومن المَشَاهد الطريفة التي أنتجتها المزايدات الثورية «أن إعلام دول الجوار الفلسطيني مجتمعة تسلّمت الرئيس التونسي في سنة 1965 بطريقة “عشرة بلدي” لأنه نصح العرب والفلسطينيين بالتخلي عن سياسة “كل شيء أو لا شيء” والعمل على مبدأ “خذ وطالب”، والنظام السوري لم يترك في بداية الثمانينيات على الرئيس المصري أنور السادات سترًا مغطى، وأذاعوا الحديث السري الذي جرى بينه وبين حافظ الأسد بخصوص مشاورته إياه بالذهاب إلى إسرائيل، ليظهروا أن السادات خائن بينما الأسد – الذي اكتسب فيما بعد لقب بائع الجولان – يمثّل قمة الصمود والتصدي. ومع مرور الزمن، وبعد اطمئنان الحكام العرب المستبدين إلى رسوخ حكمهم بالحديد والنار، راحوا يبتكرون شعارات جوفاء جديدة، مثل: التوازن الاستراتيجي مع العدو، السلام خيارنا الاستراتيجي، ويعتلون المنابر ويجعجعون بخطاباتهم الإنشائية، بينما إسرائيل تربح منهم أراضي جديدة، في معارك جديدة تقرر هي زمانها ومكانها، وتدرس، في الوقت ذاته، طلبات التطبيع المرسلة إليها سرًا أو علانية».


فهل بات التطبيع خيارا عربيا استراتيجيا؟.


الكاتب المتخصص بالنقد الحضاري، سامر خير أحمد، يعتقد أن قيام إسرائيل في عام 1948، شكّل “صفعة قوية لمشروع التحديث العربي، الذي انطلق مع أفكار النهضة الأولى في النصف الأول من القرن التاسع عشر، ذلك أنه أربك أولويات المفكرين والسياسيين على السواء، فتنازل أكثرهم عن قضية التحديث، لصالح الفكرة التي تختصرها العبارة الشهيرة ’لا صوت يعلو فوق صوت المعركة’”. هذا الشعار وغيره نحو “القضية الفلسطينية هي قضية العرب المركزية” أو “الأولى” يراها الباحث والأكاديمي، حسام الدين درويش، قد «أفضت، وفقًا لتوظيفاتها المهيمنة، في خطابات “الصمود والتصدي” “المقاومة والممانعة”، على سبيل المثال، إلى تهميش القضايا العربية الأساسية الأخرى، وفي مقدمتها قضايا الديمقراطية والحريات والعدالة الاجتماعية. وبناءً على ذلك لم يتم الاقتصار على وضع القضايا الأخيرة في المرتبة الثانية، فحسب، بل امتد ذلك إلى اعتبارها قضايا ثانوية أو لا مجال لطرحها، في السياق الراهن، بسبب الانشغال، الفعلي أو المزعوم، بالقضية الأهم، القضية الفلسطينية، والصراع مع العدو الصهيوني»


وهم المركزية
في التسعينيات من القرن الفائت، سعت الأنظمة العربية إلى إقناع شعوبها أن السلام مع العدو هو سبيل الازدهار والتنمية، وتحولت سيمياء القائد/البطل من كونه بطلًا في الحرب إلى بطل للسلام، وبات التخفّف من أعباء القضية الفلسطينية أمرا مُلحّا. ومع كل التنازلات، لم يحصل الفلسطينيون والعرب لا على السلام ولا الازدهار الموعودين، وبدأ يتكشف العجز البنيوي للأنظمة وانعدام فعاليتها، لتنطلق انتفاضات “الربيع العربي” التي بدت معها القضية الفلسطينية قد توارت بشكل غير مسبوق وراء النزاعات الإقليمية والمآسي الإنسانية والسياسية الأخرى.
هل نحن إزاء معركتين متناقضتين؛ التحرر والتحرير؛ التحديث والاستقلال؟ وهل كفّت القضية الفلسطينية اليوم عن كونها جوهر الصراع في الشرق الأوسط؟ أم ما تزال فلسطين قضية مركزية؟


على الرغم من الأهمية الكبيرة والمكانة الخاصة للقضية الفلسطينية في عالمنا العربي والإسلامي، يعتقد درويش أنها “لم تكن جوهر الصراع في العالمين العربي والإسلامي، ولا ينبغي لها أن تكون كذلك. وقضايا الحرية والعدالة (الاجتماعية) والتحرر من ظلم قوى الاحتلال (الخارجي والداخلي) والاستبداد السياسي والاجتماعي والاستغلال الاقتصادي و”التخلُّف”، هي جوهر هذا الصراع، أو هي ما ينبغي أن يكون جوهر هذا الصراع”. أما الاعتقاد بمركزية القضية فقد سوّغ، برأيه «الكثير من الأفعال والمواقف والسياسات البالغة السوء. ومن هنا يمكن أن نفهم دعم كثيرٍ من العروبيين لنظام مستبدٍ ومجرمٍ كالنظام الأسدي أو الصدامي» بحجة “المقاومة” أو “الممانعة” أو “المواقف المشرّفة” بحيث يغدو استبداده أمرا ثانويا «وربما ضروريٌّا، في إطار الانشغال بالقضية الأكثر أهميةً ومركزيةً، القضية الفلسطينية. ويتعزز هذا المنطق العجيب، عندما تتلاقح أطروحة بعض اليساريين، بمركزية مناهضة الإمبريالية، مع أطروحة بعض العروبيين بمركزية الصراع مع الصهيونية/ إسرائيل؛ وينتج هذا التلاقح جنينًا/ فكرًا مشوَّهًا لا يرى بأسًا في التضحية بقضايا شعوب بأكملها، أو بتلك الشعوب ذاتها، في سبيل التركيز على قضيته الأولى التي لا يوجد ثانٍ لها من ناحية فعلية».


وبحسب درويش، ثمّة مشكلة “ربما هي الأكبر، في كل الأطروحات القائلة بمركزية هذه القضية أو تلك، على حساب القضايا الأخرى، وبالتناقض معها. وتتمثل هذه المشكلة في أن متبني مثل هذه الأطروحة يؤسسونها على نظرة براغماتيةٍ ونفعيةٍ وأيديولوجية جامدةٍ وضيقة الأفق ومفتقرةٍ إلى القيم الأخلاقية الإنسانية. فهم ضد الظلم، ليس من حيث المبدأ، وعلى أساسٍ أخلاقي إنسانيٍّ، عامٍ وشاملٍ، وإنما ضد الظلم، لأنه يطالهم و/ أو يطال من يهمهم أمرهم، وفقًا للمركزية المتبناة. وعلى هذا الأساس هم لا يكترثون كثيرًا بالظلم الواقع على “أعدائهم”، أو حتى على “الناس العاديين”، أو ينكرون كونه ظلمًا أصلًا، طالما أنهم يعتقدون أنه ضروريٌّ لخدمة قضيتهم المركزية الأكثر أهميةً وإلحاحًا”، ويرى أنه «في مقابل تلك النظرة الأيديولوجية الأحادية، ينبغي التشديد على تكامل الحقوق والحريات (الأساسية)، بدلًا من الحديث عن أولوية بعضها وثانوية بعضها الآخر، وعلى تحالف المظلومين، بدلًا من الدخول في النفق المظلم لصراع المظلوميات. ويقتضي هذا التحالف وذلك التكامل تأسيس القضايا المعبر عنها على أسسٍ أخلاقيةٍ عامةٍ تتجاوز الانتماءات الأيديولوجية الضيقة. ووفقًا لهذه الرؤية، يكون الوقوف ضد الاحتلال/ الإجرام الإسرائيلي مرادفًا ومكمِّلًا للوقوف ضد الاستبداد/ الإجرام الأسدي أو الصدامي أو السيسوي … إلخ»، فمعارضة الاستبداد أو الاحتلال «ينبغي أن تتأسس، بالدرجة الأولى، على معارضة الظلم ذاته، وعلى معارضة الاستبداد والاحتلال، بوصفهما ظلمًا».


ويعتقد سامر خير أحمد أن التاريخ العربي عرف بين «أواخر أربعينيات القرن العشرين وأواخر ثمانينياته، انقطاعًا تراجع خلاله هدف “تحديث” الدولة والمجتمع، العربيين، لصالح هدف “تحرير فلسطين”، الذي استُعمل، أيضًا، غطاءً للدولة الشمولية في غير مكان في العالم العربي، وكذلك للانقلابات العسكرية، كما هو معلوم. ولم يُنجز هدف تحرير فلسطين، لكن ذلك لم يمنع تغيّر أولويات بعضٍ من العرب، مع التغيّرات الكبرى التي عرفها العالم، منذ نهاية الحرب الباردة عند مطلع التسعينيات. هكذا، شهد العقدان التاليان، حتى اندلاع “الربيع العربي” في أواخر 2010، من يرفضون مواصلة اعتبار القضية الفلسطينية “قضية مركزية” للعرب، مطالبين باتخاذ الديمقراطية، أو التنمية، أو غيرهما، هدفًا مركزيًا بديلًا، لتكون مفتاحًا لحل كل القضايا المزمنة، بما في ذلك القضية الفلسطينية»، وأنه «نادرًا ما أمكن قراءة مطلب تغيير “القضية المركزية”، وتفهّمه، باعتباره يتعامل بموضوعية مع الأزمة الحضارية العربية، وليس، بالضرورة، أنه يمثل تخليًّا عن فلسطين».


ما الذي تغير إذًا؟ يعتقد خير أحمد أن «انطلاق ثورات “الربيع العربي” ونجاح أولاها في تونس، مطلع عام 2011، أثّر موضوعيًا على مقدار اهتمام العرب بالقضية الفلسطينية، باعتبارها قضية مركزية، إذ انزاحت قضية العرب الرئيسية، في أول الأمر، نحو الثورة على الاستبداد، والسعي إلى الديمقراطية، ثم نتيجة التداعيات التالية، بدت الحرب على الإرهاب ومقاومة الحركات المتطرفة، قضية العرب الأساسية وشغلهم الشاغل. وفي كل الأحوال، عكس ذلك كله تبدّلًا في الأولويات المعلنة لدى الشعوب والحكومات العربية على حد سواء» لكن «الانتقال بقضية العرب المركزية المعلنة (لا الحقيقية بالضرورة)، من تحرير فلسطين إلى الانعتاق من الاستبداد، لا يعتبر، بالضرورة، تخليًا عن قضية فلسطين؛ فقد خرج التونسيون بعد انهيار نظام بن علي، يهتفون: “الشعب يريد تحرير فلسطين”، في إدراك واضح أن الاستبداد والاحتلال يكمّلان بعضهما، ويؤدي أحدهما إلى الآخر، ويمثلان وجهين لعملة واحدة. ما يعني أن شعوب “الربيع العربي” أدركت أن استمرار احتلال فلسطين هو نتيجة لحالة التخلف الحضاري التي ظل يرعاها الاستبداد، وأن العرب لا يمكنهم تحرير فلسطين، من دون أن يكونوا هم أنفسهم أحرارًا”.


على طريق تل أبيب
لم يقتصر الانخراط في التطبيع على الأنظمة العربية الرسمية، إذ توجهت بعض المعارضة العربية إلى نوع من التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلية. هل من مفاتيح تملكها إسرائيل لحل مشاكل شعوب المنطقة، وهل يمكن أن يلبي “الربيع العربي” مصالحها؟
يعتقد حسام الدين درويش أن «بؤس القول بمركزية القضية الفلسطينية، وتوظيفه الأكثر بؤسًا، أسهما في إنتاج ردود فعلٍ لا تقل بؤسًا، تتمثل في القول بمركزية القضايا المحلية، وإقصاء القضية الفلسطينية من قائمة القضايا العربية (الأساسية).


وهذا ما نجده، على سبيل المثال، في قول بعض المعارضين للأنظمة المستبدة: القضية الفلسطينية ليست قضيتنا، وهي لا تخصنا، وينبغي لنا ترك أمرها لأهلها وللمفاوضات بين السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، والانشغال بقضايانا الخاصة، ومصالحنا المحلية، وإنه لا مانع، من حيث المبدأ، من تطبيع العلاقات مع إسرائيل حكومةً وشعبًا. وقد ذهب بعض أصحاب ردود الفعل تلك إلى القول بضرورة التطبيع مع إسرائيل، وإقامة علاقات جيدة معها، بغض النظر عن كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية. ومن العوامل التي أفضت إلى تبني رد الفعل البائس المذكور هو الاعتقاد (“الواهم”) بأن إسرائيل هي التي تتحكم بكل أو بمعظم ما يحصل في المنطقة، بحيث أن قرارها بدعم أو إسقاط هذا النظام أو ذاك، هو العامل، الأهم وربما الحاسم، في بقاء هذا النظام وإسقاط ذاك».


من جهته، يرى الكاتب والشاعر علي سفر تناقضا بين مطلب الحرية لضخ الروح في الحياة وبين طلب المعونة من إسرائيل، وهو أمر «لا يحتاج لشروحات واستطرادات، ومن يفعل هذا يكون لديه خلل في قراءته لمفهوم الحرية، ولمفهوم الديمقراطية، فضلًا عن تعطل مؤشرات الحساسية لحقوق الشعوب عامة ولحق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره واستعادته لأرضه المحتلة إضافة إلى حق العودة». صحيح أن فيضان الموت جرف كثيرا من السوريين ليتخيلوا أن النجاة ستكون في الضفة الإسرائيلية «لكن يجب التمييز بين ردود الأفعال الشعبية الانفعالية البسيطة التي تمنى بعضها أن تقوم الطائرات الإسرائيلية بإبادة الجيش الأسدي والفصائل الطائفية التي تقاتل معه لكثرة ما ارتكبوه من مجازر بحق السوريين، وبين قرار معارضين راهنوا على زيارة تل أبيب بوصفها بوابة للنجاة ضمن الاعتقاد السائد بأن إسرائيل هي من حمى ويحمي النظام الأسدي منذ عقود طالما كان يحمي حدودها الشمالية ويترك الجولان المحتل بيدها».


ما الفرق بين النسقين الحاضرين دائمًا في التعاطي مع إسرائيل والتطبيع معها؟ يتطلب ذلك بحسب سفر الإحالة «إلى سياق تاريخي مؤسس قبل حدوث الربيع العربي. فمن كان يرفض وجود إسرائيل تاريخيًا هي الشعوب المستضعفة التي تشاركت الآلام، بينما كانت الأنظمة العربية تستخدم العداء لإسرائيل كأداة استثمار لحفظ المصالح والسيطرة وتأجيل طرح مسائل ملحة كالديمقراطية والتنمية وغير ذلك. لقد صودرت الحياة العامة على أيدي الجيوش، كما تم إبادة التفكير السياسي ومنع تشكله لدى العامة. وإسرائيل ذاتها كانت تفضل وجود هؤلاء على وجود أنظمة ديمقراطية حقيقية، وموقفها المعادي للربيع العربي وثوراته غير خافٍ على أي متابع، فإذا قيّمنا توجه بعض المعارضين السوريين صوبها لبناء تحالف بحجة تقديم الضمانات لها فعلى ماذا سنحصل؟ سنجد أن العلاقة المخفية بينها وبين النظام (أعلن عنها في وقت مبكر من تاريخ الثورة السورية وبشكل علني رامي مخلوف حينما ربط بين أمن إسرائيل ووجود النظام) وجدت من يرغب بإظهارها إلى العلن؛ فالنظام ضمن وجوده عبر علاقته معها، وهؤلاء أيضًا يريدون أن يضمنوا حماية ودعمًا يحمي وجودهم المستقبلي تحت إطار محاولتهم البحث عن نجاة للشعب السوري المذبوح على يد جيش الأسد وحلفائه. هنا النظام وبعض معارضيه يقفان على ذات العتبة التي تمحي وجود إرادة السوريين الذين يمتلكون حق تقرير الخيار المناسب تجاه الدولة التي تسببت بكل مآسيه منذ منتصف القرن الماضي».


يخلص سفر إلى أنه «لا يمكن لأي نسق تفكير استبدادي أن ينتج حالة صحية في التعاطي مع قضايا مصيرية كهذه، إن تهميش إرادة الشعب السوري التي ترفض العلاقة مع الإسرائيليين لن يؤدي إلى شيء سوى إعادة إنتاج القمع. وضمن هذا السياق سنرى أن العقلية التي تظن أن نوابضها الذهنية أعلى مرتبة من العقل الجمعي للسوريين تتماهى مع عقلية ثورات الجيوش التي همّشت الشعوب وحرمتها من صوتها حتى في التصريح العلني والواضح بالعداء لإسرائيل».


سقوط الأقنعة
يعتقد الكاتب نزار السهلي أن «عقد الثورات العربية، أتاح الكشف عن مركزية دور النظام الرسمي العربي في الإبقاء على مجتمعات مقهورة وخاضعة لأنظمة خاضعة، وأصبح التحول الجذري من الثورات ككل يعني بالضرورة محاربة تطلعات الشعوب نحو الحرية والمواطنة والعدالة والمساواة، وبالانتقال من مرحلة الهرولة نحو التطبيع مع الاحتلال إلى إقامة تحالفات سرّية وعلنية فضحها سلوك الأنظمة والاحتلال كتلبية لمتطلبات البقاء المزدوج لكليهما، وبعد أن كانت مطالب الشارع العربي مصادرة لصالح شعار “فلسطين قضية ومعركة أولى” على حساب التحديات الأخرى، وفشل تسويق فكرة ازدهار المواطنة والحريات من بوابة “السلام” بسبب التناقض بين الاحتلال والنظام الرسمي العربي، وبين فكرة الحرية والمواطنة، حيث ينسف الطرف الأول الطرف الثاني».


الكاتب والقاص والشاعر هشام البستاني، يلفت النظر إلى التغّير الذي حصل على المستوى الشعبيّ، المتمثل في «أن الناس استوعبت – أخيرًا- أن “خطاب القضيّة الفلسطينيّة” الذي رفعته المجموعات الحاكمة العربيّة كان شعارًا للخداع والتضليل والوظيفيّة: لإسباغ شرعيّة أخلاقيّة- نضاليّة على سلطاتٍ بلا شرعيّة؛ لنهب الموارد الدّاخليّة وتعطيل التّنمية لصالح النّخب الحاكمة الفاسدة التي تتشكّل أيضًا من جهاز عسكريّ- أمنيّ إكراهيّ كبير يجب الصّرف عليه لإبقاء النخب الحاكمة في مكانها، وقمع أي معارضة شعبيّة واسعة أو القضاء على أي منافسين مُحتملين؛ فتبدّلت، أو لنقل: تصحّحت الأولويّات. صار واضحًا اليوم أن تصفية المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيونيّ في المنطقة، وإنهاء الظّلم الناتج عنه، لن يكون مُمكنًا إلا بعد إزاحة الوكلاء- الحلفاء المحليّين لهذا المشروع، بكل أبعادهم (الاستبداد، الفساد، التبعيّة، الوظيفيّة، إلخ). صار واضحًا أنّ التّحرير غير ممكن إلا إن سبقه التحرّر، وهذا الأخير يعني أن الطريق إلى الكيان الصهيوني يمرّ بمسار مرصوف بجثث المجموعات الحاكمة العربيّة، وليس العكس».


يلامس البستاني، أيضا، تغييرا على «مستوى المجموعات الحاكمة نفسها، إذ انتقلت خلال العقود الثلاثة الماضية من مرحلة العداء الصوريّ مع “إسرائيل”، إلى مرحلة الأمل الكاذب بـ”السّلام” وترويج أوهام الازدهار الذي سينتج عنه، إلى مرحلة سأسمّيها: مرحلة البجاحة المُطلقة، والمتمثّلة بتحويل الكيان الصهيونيّ إلى حليف مركزيّ ومهمّ” وانعكس ذلك في “الخطاب المبثوث في الإعلام العربيّ (وأغلبه يقع تحت سيطرة السّلطة أو يخضع لتهديداتها ومحدّداتها)، فصار خطابًا يُشيطن المُستَعمَرين المُضطَهَدين، ويؤَنسِن المُستعمِر المُضطهِد ويتعاطف معه لتبرير “التحالف”؛ أو صار خطابًا مزدوجًا، تدجيليًّا، يدين كلاميًّا باليمين، ويفتح الباب للوفود الرياضيّة والصحافيّة الصهيونيّة، أو يوقع مع الصهاينة صفقة غاز تموّلهم بالمليارات، باليسار. هذه حالة غير مسبوقة، تجعل من الجوّ العامّ، ظاهريًّا، جوًّا صهيونيًّا”، لكن “هذا الجوّ الظاهريّ لا يعني الكثير على المستوى الشعبيّ، بل ربّما يساهم في تأجيج وإنضاج الظروف الموضوعيّة والتاريخيّة للجولة القادمة من الانتفاضات”.


ويضيف البستاني: “إسرائيل مستعدّة للتحالف مع الشّيطان لتبقى، والصهاينة طبعًا جاهزون لاختراق البلدان العربيّة وخلخلة أمنها وخلق مجموعات تأتمر بأمرها، هذا ليس جديدًا وحصل في ظروف مشابهة في لبنان أثناء الحرب الأهليّة، أي قوى إقليميّة أو دوليّة ستستغلّ الضعف الداخليّ لكيان ما، واضطراباته الدّاخليّة، لتجد لنفسها ولمصالحها موطئ قدم، وهذا أيضًا شاهدناه في لبنان الحرب الأهليّة (وما تزال مفاعيل ذلك التدخّل قائمةً حتى اليوم)، والعراق منذ 2003، وسوريّة، وليبيا، واليمن اليوم. المُشكلة الأساسيّة ليست في نزوع القوى الإقليميّة والدوليّة للتدخّل، فهذه قوى انتهازيّة توسّعيّة عدوانيّة تبحث عن مكاسبها ومصالحها، المشكلة الأساسيّة هي فيمن جهّز كيانه، وحضّره، لمثل هذه التدخّلات والتوظيفات، من خلال تدمير الجبهة الداخليّة التي أصبحت ملعبًا للصهاينة ولإيران ولروسيا وللولايات المتحدة ولتركيّا وللأوروبيّين ولكل من يريد أن يأخذ لنفسه جزءًا من الكعكة، ممكّنًا لـ”إسرائيل” وللمشروع الصهيوني في خضمّ كلّ ذلك”.


الربيع العربي: حضور القضية في غياب مركزيتها
رغم خفوت حضور القضية الفلسطينية كموضوع مركزيّ في الحراكات الشعبيّة العربيّة منذ انتفاضات 2010/2011، كما يذهب البستاني «إلا أن فلسطين لم تغب تمامًا، بل ظلّت – وما تزال- تحتلّ موقعًا بارزًا، ونستطيع الاستدلال على ذلك من بعض إشارات واضحة: حصار السفارة الإسرائيليّة في القاهرة أثناء الانتفاضة المصريّة عام 2011، وإنزال العلم الإسرائيلي عنها، وتهريب طاقم السّفارة بمدّرعات السّلطة كي لا يقعوا بأيدي المتظاهرين؛ الحضور الدائم للهتافات والأناشيد المؤيّدة والمناصرة لفلسطين في ملاعب كرة القدم الجزائريّة والمغربيّة؛ ردّ الفعل الشّعبي السوداني على لقاء رئيس المجلس العسكري عبد الفتاح البرهان مع بنيامين نتنياهو؛ قوّة مفاهيم مقاومة التّطبيع في تونس والكويت حتى على الصعيد الرّسمي في كلا البلدين؛ انسحاب العديد من الرياضّيين من المسابقات العالميّة إن أوقعتهم القرعة مع لاعبين إسرائيليّين؛ ومركزيّة وأساسيّة الحملة الوطنيّة الأردنيّة لإسقاط اتفاقيّة الغاز مع الكيان الصهيوني -المعروفة باسمها المختصر: غاز العدو احتلال- في المشهد الحراكيّ والسياسيّ في الأردن منذ عام 2014 وحتى الآن».


القضية الفلسطينية يجدها البستاني «حاضرةٌ أيضًا في الخلفيّة التأسيسيّة لاندلاع الانتفاضات العربيّة، بمعنى أن تحوّل موقف المجموعات الحاكمة العربيّة تجاه “إسرائيل”، من خطاب العداء السّافر الكلاميّ، إلى واقع التبعيّة الكاملة، وانكشاف دجل المجموعات الحاكمة العربيّة التاريخيّ تجاه القضيّة الفلسطينيّة، كانا أحد العوامل العميقة والتراكميّة التي أدّت إلى الانتفاضات العربيّة، فهذا “التحوّل” كشف عبثيّة عقود من الكذب السياسيّ، وكشف تبعيّة هذه المجموعات وعمالتها، وتفضيلها (في سياق تقديمها لبقائها في السّلطة على أيّ شيء آخر) المصالح الصهيونيّة على مصالح بلدانها وشعوبها نفسها، وهذا في جانب منه يرتبط بالفساد، وفي جانب آخر يرتبط بتعطيل التّنمية والتّدمير الاقتصادي للبلدان، وما أنتجه ذلك من فقر وبطالة وديون وارتهان لمؤسّسات النظام الرأسمالي العالمي (صندوق النقد والبنك الدوليّان)، وفي جانب ثالث يرتبط بالقمع ومصادرة الحريّات، إذ قمعت المجموعات الحاكمة من عارض مسار التبعيّة للصهاينة والتّطبيع معهم».


أما نزار السهلي فيرى أنه «في هذه المرحلة الصعبة من التاريخ العربي المعاصر، يبدو واضحًا أن محاولات التطبيع مع إسرائيل لم تعط النتائج المرجوة، لا في استعادة الحقوق والأرض، ولا في تحرير الانسان العربي الذي لم يستسلم لخيار الأنظمة الأساسي في تحويله لخاضع كلي، ومن كامب ديفيد الى أوسلو حتى اليوم بقيت جهود التطبيع محصورة عند تقديم الخدمات الرسمية العربية بميزان طافح لصالح المحتل، ولا يمكن القول إن سقوط مرتبة القضية الفلسطينية في العقد الأخير مرده لاندلاع الثورات العربية أو محاربة الإرهاب، فالتوظيف الذرائعي للقضية الفلسطينية من قبل النظم العربية متراسًا للقمع والقهر، كان شعلة أساسية لانطلاق الثورات».


18 مايو 2020



تنفيذ و استضافة وتطوير ميكس ميديا لحلول الويب تنفيذ شركة ميكس ميديا للخدمات الإعلامية